فصل: مسألة أهدى لرجل ثوبا فأخطأ به الرسول فدفعه إلى غيره فاقتطعه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة أعطاه عشرة أرادب قمح يبيعها له بعشرة دنانير فباعها بسلعة:

ولو أنه أعطاه عشرة أرادب قمح يبيعها له بعشرة دنانير فباعها بسلعة كان مخيرا إن شاء السلعة التي باع بها وإن شاء مكيلة قمحة، قال ابن القاسم وكذلك لو أن رجلا دفع إلى رجل عشرة دنانير يشتري له بها عشرة أرادب قمح فاشترى له بها عدسا فقال: هو مخير إن شاء العدس وإن شاء فدنانيره التي دفع إليه وليس له الطعام ههنا، وليس له في العين تعد لو أنه أعطاه دنانير يشتري له بها دراهم فاشترى له بها غيرها لكان مخيرا إن شاء ما اشترى، وإن شاء الدنانير التي دفع إليه، وليس له الدراهم التي أمره بها أيضا ههنا. ومما يبين لك ما فسرنا أنه ليس على من استهلك طعاما أو دنانير أو عينا لرجل تعدى عليه فاستهلكها إلا مثل ذلك في عدده ومكيلته، وليس ذلك بمنزلة العروض، إنما عليه في العروض كلها القيمة؛ لأن العروض والحيوان لا يوجد مثلها، والدنانير والدراهم والطعام يوجد مثله.
قال محمد بن رشد: قد بين في هذه الرواية وجه الفرق بين أن يأمره أن يبيع طعاما له بدنانير فيبيعه بما لم يأمره به، أو يأمره أن يشتري بدنانير له طعاما فيشتري له بها غير ما أمره، وبين أن يأمره أن يبيع سلعة بطعام أو بدنانير فيبيعها بغير ما أمره به بما لا مزيد عليه، والفرق بين الدنانير يأمره أن يشتري له بها شيئا فيشتري بها سواه وبين السلعة يأمره أن يبيعها بشيء فيبيعها بسواء أبين من الفرق بين الطعام يأمره ببيعه والسلعة يأمره ببيعها ليتعدى أمره في ذلك؛ لأن الطعام وإن كان يشبه العين في الاستهلاك بوجوب الحكم فيه بالمثل فهو يشبه السلع في أنه يراد بعينه وفي أن البيع ينتقض باستحقاقه، فلو قيل على قياس هذا فيمن أمر رجلا أن يبيع له عشرة أرادب قمح بعشرة دنانير فباعها بسلعة أنه بمنزلة من أمر رجلا أن يبيع له سلعة بعشرة دنانير فباعها بسلعة فيكون مخيرا بين أن يأخذ السلعة التي اشترى بطعامه وبين أن تباع له السلعة فإن كان فيها فضل عن العشرة كان له فيها الفضل، وإن كان فيها نقصان عن العشرة كان ذلك على المتعدي لكان قولا.

.مسألة أمره أن يبيع سلعة بعشرة دنانير إلى شهر فباعها بسلعة إلى شهر:

قال ابن القاسم: ولو أمره أن يبيع سلعة بعشرة دنانير إلى شهر فباعها بسلعة إلى شهر، بيعت تلك السلعة وكانت له القيمة، فإن كان فيها فضل عن القيمة كان له، وإن لم يكن فيها فضل فله القيمة إلا أن تكون القيمة أكثر من العشرة التي أمره أن يبيع بها، فلا يكون له إلا العشرة لأنه قد رضي أن يبيع بعشرة إلى أجل، فإذا أعطيناه عشرة نقدا لم نظلمه، وإنما تباع السلعة إذا قال: إن لي فيها فضلا، فإن قال: لا أريد الفضل وأريد القيمة، كان ذلك له إلا أن تكون أكثر من العشرة. وقال في غير هذا الكتاب: إنه لا يلتفت إلى عدد ما سمي له من الثمن وإنما ينظر إلى قيمة سلعته.
قال محمد بن رشد: القول الثاني هو الذي في المدونة، وهو أصح وأجرى على أصله من القول الأول؛ لأن من حجة صاحب السلعة أن يقول إنما سميت العشرة إلى أجل مخافة أن يبيع بأقل منها فإذا تعدى ما أمرته به فلي قيمة سلعتي ما بلغت؛ كما أنه إذا أمره أن يبيع سلعته بعشرة نقدا فباعها بسلعة تكون له ما باع به السلعة إن بيعت بأكثر من عشرة، ولا يحتج عليه بأنه قد رضي بالعشرة لأن من حجته أن يقول إنما سميت العشرة مخافة أن يبيع بأقل منها فإذا تعدى ما أمرته فلي ثمن السلعة التي باع بها سلعتي.

.مسألة بعث معه رجل مائة درهم أندلسية يقضيها عنه غريما له بمصر:

وسئل عن رجل من أهل الأندلس بعث معه رجل مائة درهم أندلسية يقضيها عنه غريما له بمصر ويكتب له منها البراءة فأنفقها المبضع معه واحتاج إليها، فلما قدم مصر لم يجد دراهم أندلسية إلا خمسين درهما فدفعها إليه ثم اشتراها منه بدنانير ثم قضاها إياه تمام المائة وكتب منه البراءة، فقال: أرى أن يعلم صاحبه الذي وكله فيكون في هذا مخيرا إن شاء أسلم له ذلك، وإن شاء دفع إليه مثل الدنانير التي اشترى الدراهم بها وأخذ منه خمسين درهما، ولو كان دفع في ذلك عرضا كان بتلك المنزلة إلا أن له قيمة ذلك العرض الذي دفع، قال عيسى: إن كان أعلمه أنه أرسل إليه معه مائة درهم على حال ما أرسل معه ثم عامله بعد ذلك هذه المعاملة فالمعاملة جائزة، وليس لأحد فيها خيار، قال: وإن كان لم يعلمه وإنما قال إنما أمرني أن أقضيك دينك فهذا الذي وصف ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه اشترى منه الخمسين درهما على أن يقضيها إياه تمام المائة، فآل الأمر بينهما إلى أن أعطاه ذهبا عن الخمسين درهما لأنه إذا اشتراها منه على أن يقضيها إياه كان ما فعلاه من ذلك لغوا وصار إنما دفع إليه خمسين درهما وذهبا عن الخمسين الأخرى التي كان استسلفها وصارت دينا عليه للآمر، فمن حقه أن يقول إنما آخذ منك الخمسين درهما التي عليك وأدفع إليك الذهب الذي قضيت عني فيها فهو خيار أوجبه الحكم في الصرف دون أن ينعقد عليه، وقد اختلف هل يفسد الصرف بذلك أم لا حسبما مضى القول فيه في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم ورسم البيوع الأول عن سماع أشهب، فجواب ابن القاسم في هذه المسألة على القول بأن الصرف لا يفسد بذلك، وأما قول عيسى بن دينار فلا وجه له عندي إذ ليس معرفة المقتضي الذي له الحق بأن الذي عليه الحق أرسل المائة درهم مع الرسول القاضي بالذي يسقط ما يوجبه الحكم من الخيار للآمر الذي كان عليه الحق ولا جهله بذلك بالذي يوجب خياره، وإنما الذي يوجب خياره هو لأن من حجته أن يقول: لو علمت أنه بعث معك بالمائة درهم لما أخذت منك في الخمسين منها ذهبا، فيلزمه، إذا لم يعلم بذلك أن يعلمه بذلك وأن يعلم الذي وكله بما فعل معه أيضا، فإن أجازاه جميعا جاز، وإن رداه أو رده أحدهما بطل ولم يجز. وأما إذا اشترى منه الخمسين درهما اشتراء صحيحا على غير شرط أن يقضيه إياها ثم قضاه إياها فلا إشكال في أن ذلك جائز؛ إذ لا فرق بين أن يشتري الخمسين درهما منه أو من غيره إذا لم يشترها منه على شرط أن يقضيه إياها.

.مسألة أبضع معه في سلعة يشتريها له ببلد فاشترى لنفسه سلعة دون ذلك البلد:

وسمعته يقول: إذا أبضع الرجل مع الرجل في سلعة يشتريها له ببلد فاشترى لنفسه سلعة دون ذلك البلد بتلك البضاعة فربح فيها، قال الربح له والنقصان عليه، فإذا بلغ البلد فاشترى سلعة غير التي أمر بها لنفسه وضمن ذلك ليقطع عنه الربح وهو يجد السلعة التي أمره بها فصاحب المال بالخيار، إن شاء أخذ ما اشترى بماله، وإن شاء ضمنه ماله، فإن كان باع بربح فالربح لصاحب المال، وإذا لم يجد السلعة التي أمره بها وطلبها فلم يجدها واشترى غيرها فالربح له والنقصان عليه إذا علم ذلك وعرف أنه لم يجدها، ورواها أصبغ في كتاب البيوع وزاد في سماعه قال وذلك أيضا إذا اشترى لنفسه، فإن اشتراها باسم صاحب المال وعليه فالخيار لرب المال والربح له والنقصان والضمان على المأمور بالتعدي على ماله. قال عيسى: قلت لابن القاسم: أرأيت إذا لم يجدها بالبلد واشتراها بغير البلد لصاحب المال أيكون لصاحب المال أن يأخذها إن شاء؟ وكيف إن كان فيها فضل لمن الربح؟ قال: صاحبها بالخيار إن شاء أخذها، وإن شاء تركها، قال عيسى: إذا اشترى له مثل ما وصف له وبالثمن الذي أمره أن يشتري به أو بأدنى فأرى أن يلزمه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى منه طعاما غائبا فقدم وكيل البائع بالطعام بعد الصفقة:

وقال في رجل اشترى من رجل طعاما بعينه غائبا عنهما ثم إذا الطعام قد قدم به وكيل البائع بعد الصفقة كان قد حمله بعد الصفقة ولا علم له؛ فقال: البيع للبائع لازم، فإن شاء أن يدفعه إليه هاهنا دفعه أو رضي المشتري أن يأخذه منه هاهنا وإلا فعليه أن يرده أو يدفع إليه مكانه ثم طعاما آخر.
قال محمد بن رشد: الكلام في هذه المسألة على فصلين: أحدهما شراء الطعام الغائب والحكم في ضمانه ممن يكون؟ والثاني ما يكون للمشترى إذا حمله البائع أو وكيله بأمره دون أن يعلم ببيعه إلى بلد آخر، فأما بيعه فإن كان جزافا فلا يجوز إلا على رؤية متقدمة حسبما مضى القول فيه في تفسير قوله في أول سماع ابن القاسم من كتاب جامع البيوع لا يجوز اشتراء الطعام الغائب على شرط إن أدركته الصفقة مثل الزرع القائم إذا يبس واستحصد ويدخل في ضمانه بالعقد على قولي مالك في شراء الغائب على الصفة، وإن كان على الكيل فيجوز على الصفة وإن لم يتقدم للمبتاع فيه رؤية، وذلك على وجهين: أحدهما أن يكون له طعام غائب فيشتري منه كيلا معلوما، والثاني أن يشتريه كله على الكيل، فأما إذا اشترى من طعامه الغائب كيلا معلوما بعد أن وصفه له أو أراه منه شيئا فالضمان فيه من البائع حتى يكيله على المبتاع قولا واحدا، وكذلك إذا اشتراه كله على الكيل إلا أن يصدقه في الكيل فيدخل في ضمانه بالعقد على أحد القولين في اشتراء الغائب، فإن حمله البائع أو وكيله بأمره دون أن يعلم ببيعه إلى بلد المشتري حيث وقع الشراء أو إلى غيره من البلدان كان الحكم فيه ما ذكر في الرواية من أن على البائع أن يرده إلى البلد الذي باعه فيه أو يأتي المشتري بمثله في ذلك البلد فيكيله عليه فيه إن كان اشتراه على الكيل أو يكيل له المكيلة التي اشترى منه إن كان اشترى كيلا من جملة طعام، وإن كان اشتراه جزافا وأمكن أن يأتيه في مثل ذلك البلد بمثله مثل أن يكون بيتا مملوءا بطعام أو وعاء مملوءا منه حاضرا أتاه بمثله، وإن كان مصيرا لا يمكن معرفة المثل فيه كان عليه مكيلة خرص الصبرة إلا أن يتفقا على أخذ الطعام في البلد الذي حمل إليه فيجوز، وقد قيل إن المبتاع مخير بين أن يلزمه مثل الطعام في البلد الذي اشتراه به وبين أن يفسخ البيع ويأخذ ثمنه، وهو قول أشهب، ولا يعتبر في شيء من ذلك كله الضمان ممن هو، وإنما يعتبر إذا لم يحمله من موضعه، وأراد أن يعطيه مثله في بلد آخر فلا يجوز إذا كان الضمان من المبتاع باتفاق، ويجوز إذا كان من البائع على اختلاف حسبما مضى بيانه في سماع سحنون من كتاب الغصب.

.مسألة ادعى وكالة رجل في سلعة فاشتراها منه رجل ثم علم بكذبه:

وقال ابن القاسم في رجل ادعى وكالة رجل في سلعة فاشتراها منه رجل ثم علم بكذبه فأراد المشتري أن يرد البيع وأبى المدعي الوكالة أن يقيله حتى يرضى الرجل، قال: ليس ذلك له، والمشتري يرد إن شاء، قلت له: فإن رضي صاحب السلعة أن يجيز البيع أيلزم المشتري ذلك؟ قال: لا يلزمه ذلك إذا كان افتات عليه من غير أن يأمره.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في بعض الروايات، وقوله فيها إن للمشتري أن يرد البيع ولا يلزمه أن ينتظر حتى يعلم إن كان يجيز صاحب السلعة البيع أو لا يجيزه هو نص ما في المدونة، وهو صحيح لأن من حقه أن يقول إن كانت جارية لا أمسكها أطؤها وصاحبها فيها علي بالخيار، وكذلك ما عدل الجارية من السلع. وأما قوله: إن الشراء لا يلزم المشتري إذا أجاز صاحب السلعة البيع فهو خلاف ما في المدونة وما في رسم الصلاة من سماع يحيى من كتاب الاستحقاق، وبعيد أيضا لأن البائع إنما باعها على أنه وكيل لسيدها الذي أجاز البيع فيها، فلا حجة له في ردها، وإنما كانت تكون له الحجة في ردها لو باعها على أنها له ثم استحقها سيدها فأجاز بيعها، فههنا يختلف في ردها، والاختلاف في هذا جار على اختلافهم في انتقال العهدة عن التعدي في البيع إلى صاحب السلعة إذا أجاز البيع، فله أن يرد على القول بأنها تنتقل، وليس له أن يرد على القول بأنها لا تنتقل، وقد فرغنا من بيان هذه المسألة في آخر سماع أصبغ من كتاب الغصب وفي رسم الصلاة من سماع يحيى من كتاب الاستحقاق فلا معنى لإعادته ههنا، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة أعطى رجل ثوبه رجلا أن يبيعه له بعشرة دراهم فباعه بخمسة:

ومن كتاب أوله: إن خرجت من هذه الدار إلى رأس الحول فأنت طالق:
وقال ابن القاسم: إذا أعطى رجل ثوبه رجلا أن يبيعه له بعشرة دراهم فباعه بخمسة، قال عليه العشرة دراهم التي أمره أن يبيعه بها، وليس عليه أكثر منها وإن كانت القيمة أكثر من العشرة لأنه لو باعه بعشرة والقيمة أكثر لم يكن عليه شيء، وليس عليه إلا العشرة التي أمره أن يبيع بها.
قال محمد بن رشد: قد قيل عليه القيمة لأن من حجة صاحب السلعة أن يقول إنما سميت العشرة لئلا ينقص منها، فإذا تعدى فلي قيمة سلعتي، والعشرة أعدل، والقولان قائمان من مسألة رسم أوصى في الذي يأمر الرجل أن يبيع سلعته بعشرة إلى أجل وقيمتها أكثر من عشرة فيبيعها بسلعة إلى أجل، وقد مضى القول عليها وبيان وجه الاختلاف فيها فلا معنى لإعادته.

.مسألة أهدى لرجل ثوبا فأخطأ به الرسول فدفعه إلى غيره فاقتطعه:

وسئل ابن القاسم عن رجل أهدى لرجل ثوبا فأخطأ به الرسول فدفعه إلى غيره فاقتطعه قباء ثم طلب ذلك فقال: يقال للمبعوث له الثوب اغرم خياطته وخذ ثوبك، فإن أبى قيل للذي هو في يده إن شئت فادفعه إليه مخيطا، وإن شئت فأد قيمته يوم قبضته.
قال محمد بن رشد: قوله فإن أبى قيل للذي هو في يده إن شئت فادفعه إليه مخيطا وإن شئت فأد قيمته يوم قبضته، هو على ما يأتي في أصل المختلطة من كتاب تضمين الصناع من المدونة من أنه لم ير الخياطة عينا قائما يكون بها شريكا فيما كان بوجه شبهة خلاف ما في كتاب الجعل والإجارة من المدونة من أنه رأى الخياطة عينا قائما فأوجب الشركة بذلك، وقياس هذه المسألة قياس الصناع يخطئ بالثوب فيدفعه إلى غير صاحبه فيقطعه الذي قبضه ويخيطه، فالذي يأتي في هذه المسألة على مذهبه في المدونة أنه إن أبى المبعوث إليه الثوب أن يغرم خياطته ويأخذه قيل للذي هو في يده أد قيمته يوم قبضته، فإن أبى من ذلك كانا شريكين فيه الأول المبعوث إليه بقيمته غير مخيط، والثاني الذي خاطه بقيمة خياطته، وسواء كانت الخياطة زادت في قيمة الثوب أو نقصت منه، وإن أراد المبعوث إليه الثوب أن يرجع بقيمة ثوبه على الرسول الذي أخطأ في دفعه كان ذلك له، فإن اختار ذلك بكون الخياطة تنقص الثوب رجع الرسول على الذي دفع إليه الثوب فكان الحكم في رجوعه إليه على ما تقدم من الاختلاف في رجوع المبعوث إليه الثوب عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة قال له لك علي ثلثا دينار مما حاسبتك به فهاك دينارا فاقتص منه الثلثين:

وسئل ابن القاسم عن رجل قال لرجل: لك علي ثلثا دينار مما حاسبتك به فهاك دينارا فاقتص منه الثلثين واقض فلانا الثلث، فذهب عنه وخرج في سفر فنظر في محاسبته إياه فإذا أنه عليه أكثر من الدينار، فأراد أن يحبس الدينار كله، قال: ليس ذلك له، وليدفع ثلث الدينار إلى من أمره أن يدفعه إليه ثم يكتب إليه فيما بقي له.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه لما قبض منه الدينار على أن يدفع ثلثه إلى الذي أمره أن يدفعه إليه فقد أقر أنه ليس له عنده إلا ثلثا دينار، فليس له أن يمسك الدينار كله حتى يقر له الذي دفع إليه بصحة ما ذكر من أنه وجده في حسابه.

.مسألة أبضع الرجل بدنانير مع رجل وأبضع معه آخر بدراهم:

قال ابن القاسم: إذا أبضع الرجل بدنانير مع رجل وأبضع معه آخر بدراهم يشتري لهما حاجتهما فلا بأس أن يصرف الدراهم بالدنانير بصرف الناس.
قال محمد بن رشد: أجاز أن يصرف دراهم هذا بدنانير هذا بصرف الناس ولم ير بذلك بأسا لأن أمره محمول على أن كل واحد منهما قد فوض إليه أن يصرف ما بعث به معه إن احتاج إلى ذلك، إذ قد لا يجد حاجة الذي دفع إليه الدنانير إلا بدراهم، ولا حاجة الذي دفع إليه الدراهم إلا بدنانير، فصار بمنزلة من دفع إليه رجل دنانير للصرف ودفع إليه آخر دراهم للصرف فأراد أن يصرف من هذا لهذا، فأجاز ذلك مالك في كتاب ابن المواز، وقد أجاز في أحد قوليه حسبما ذكرناه في رسم البيوع الأول من سماع أشهب لمن وكل على الصرف أن يصرف له من نفسه، وهذا أشد من هذا، وقال ابن أبي حازم: لا بأس بذلك إذ لا نظرة فيه، فلا تشددوا على الناس هكذا جدا فليس كما تشددون، وذكرنا أن الخلاف في ذلك إنما هو من أجل أنه خيار لم ينعقد عليه الصرف، وإنما أوجبه الحكم، ولم يجز ابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب الصرف أن يصرف من هذا لهذا إن أمره كل واحد منهما أن يصرف له، ومثله لابن القاسم في كتاب ابن المواز خلاف قوله في هذه الرواية، والعلة في ذلك أن كل واحد منهما إنما وكله على أن يبذل له مجهوده في المكايسة وأن يفعل له في ذلك ما يفعل لنفسه، فإذا صرف لهذا من هذا فقد توخى السداد في ذلك وترك المكايسة التي أرادها كل واحد منهما منه فصار هذا معنى يشبه أن يكون لكل واحد منهما الخيار في فعله، كما إذا صرف لأحدهما من نفسه، ويحتمل أن يفرق بين المسألتين؛ لأن الخيار إذا صرف لأحدهما من نفسه لا اختلاف فيه. فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال: الجواز في المسألتين جميعا، وعدمه فيهما جميعا، والفرق بينهما، وقد ذكر ابن دحون في وجه عدم الجواز في ذلك علة لا تصح قد تكلمنا على إفسادها في سماع أبي زيد من كتاب الصرف، وبالله التوفيق.

.مسألة امرأة وكلت وكيلا يطلب خصومة لها في قرية فباع الوكيل القرية:

ومن كتاب أسلم وله بنون صغار:
وسئل عن امرأة وكلت وكيلا يطلب خصومة لها في قرية وأشهدت له إني قد فوضت إليه، وأمره جائز فيما يصنع ولم يذكر في وكالتها أو تفويضها لا بيع ولا غير ذلك إلا ما ذكرت لك من التفويض وأمره جائز فيما صنع، فباع الوكيل القرية بعد أن صالح فيها وصارت للمرأة فباعها ولم يستأمرها وهي معه في مدينة أو بينهما أميال، هل يمضي البيع عليها وهي تقول لم آمره بالبيع، وإنما فوضت إليه أمر الخصومة والصلح؟ هل يقبل قولها إنني لم آمره بالبيع؟ أم هل يختلف هذا إذا وكل الرجل وكيلا له على مال له بالمشرق وكتب كتابا أنني قد فوضت إليه الأمر وأمره جائز فيما صنع أو قطع بالخصومة إن كانت فظفر الوكيل وباع ما ظفر به وبينه وبين من وكله مسيرة شهر هل يجوز بيعه إذا أنكر ذلك الذي وكله إذ لم يأمره بالبيع؟ قال ابن القاسم: لا أرى أن يجوز فيهما جميعا البيع إذا أنكر إذا كان بيعه بعد أخذه المال وحوزه له ولم يكن أخذ المال على صلح ولا على مقاطعة.
قال محمد بن رشد: الأصل في الوكالات أن الوكيل ليس له أن يتعدى ما وكل عليه مما سمى له. وإن قال في توكيله إياه إنه وكله وكالة مفوضة أقامه في ذلك مقام نفسه، وأنزله منزلته، وأجاز فعله، وجعل إليه النظر بما يرضاه لأن ذلك كله يحصل على ما سمى ويعاد إليه إلا أن لا يسمي شيئا رأسا يقول إني وكلته وكالة مفوضة فيكون وكيلا مفوضا إليه يجوز عليه فعله في كل شيء من البيع والابتياع والصلح وغيره، فإن قال وكالة مفوضة جامعة لجميع وجوه التوكيل ومعانيه كان أبين في التفويض، فإنما أجاز ابن القاسم في هذه الرواية للوكيل على الخصومة أن يصالح فيها من أجل قول الموكلة قد فوضت إليه في الخصومة وجعلت أمري جائزا فيما يصنع فيها فاقتضى ذلك الصلح إذ ليس له وجه سواه، فليس ذلك بخلاف لقول أصبغ في آخر نوازله إنه إذا وكله على الخصومة ولم يفسر شيئا فهو وكيل على المدافعة وحدها، وليس له صلح ولا إقرار، ولا بخلاف لقول عيسى بن دينار في أول نوازله بعد ذلك أنه إذا وكله على تقاضي ديونه وفوض إليه النظر فيها أنه لا يجوز للوكيل أن يصالح عنه في شيء منها وإن كان الصلح في ذلك نظرا له؛ لأن تفويضه النظر في اقتضاء ديونه لا يقتضي مصالحة؛ لأنه يمكن إعادته على ما وكله عليه من الاقتضاء لديونه ليعجل منها ما يرى النظر في تعجيله ويؤخر منها ما يرى النظر في تأخيره، فقد يكون النظر في بعض الديون تعجيل اقتضائها، وفي بعضها تأخير اقتضائها، وقد ذهب بعض الناس إلى أن قول ابن القاسم هذا خلاف لقول عيسى في نوازله، وليس ذلك عندي بصحيح لما بيناه من وجه الفرق بينهما. وهذا الذي قلناه من أنه إذا سمى في الوكالة شيئا لا يتعدى الوكيل مما سمى له وإن نص على التفويض في الوكالة لأن ذلك يعاد إلى ما سمى هو بين من قول أصبغ في آخر نوازله، وإنما تكون الوكالة مفوضة في كل شيء إذا لم يسم فيها شيء، وكذلك الوصية إذا قال الرجل فلان وصيي ولم يزد على ذلك كان وصيا له في كل شيء في ماله وبضع بناته وإنكاح بنيه الصغار، وهذا قوله في المدونة، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة أنه إذا قال فلان وصيي ولم يزد ينزل منزلة الموصي في كل شيء إلا في تزويج الصغيرة قبل بلوغها والكبيرة دون مؤامرتها، ولهذا المعنى قالوا في الوكالة إنها إذا طالت قصرت، وإذا قصرت طالت.

.مسألة قال الرجل للرجل هاك ثلاثين دينارا وابتع لي جارية صفتها كذا وكذا:

وقال ابن القاسم: إذا قال الرجل للرجل هاك ثلاثين دينارا وابتع لي جارية صفتها كذا وكذا، فيذهب المأمور فيشتري بتلك الثلاثين دينارا جاريتين بتلك الصفة بعينها فأتى بهما إليه: قال: صاحب المال بالخيار إن شاء أخذهما جميعا وإن أحب أخذ واحدة بما يصيبها من الثمن وكان له على المأمور بقية الثلاثين، وكذلك لو أمره أن يشتري له جارية بعينها بثلاثين دينارا فذهب فاشتراها وابنها بثلاثين دينارا إن صاحب المال بالخيار إن شاء أخذ الأم بما يصيبها من الثمن وترك الولد، وكان ما بقي من الثلاثين له على المأمور إلا أن يكون الولد صغيرا ليس مثله يفرق بينه وبين أمه فيلزمه أخذهما جميعا الأم والولد أو يدعهما جميعا إن زعم أنه لم يعرف أن لها ولدا.
قال محمد بن رشد: أما إذا دفع إليه الثلاثين على أن يشتري له بها جارية على صفة وصفها له فاشترى له بالثلاثين جاريتين على الصفة التي أمره بها في صفقة واحدة ففي كتاب ابن المواز أنهما لازمتان له جميعا خلاف قوله هاهنا إنه مخير بين أن يأخذهما جميعا وبين أن يأخذ أيتهما شاء بما يصيبها من الثلاثين وتكون البقية منها عليه، ولو ماتت الواحدة قبل أن يختار كانت المصيبة من المأمور؛ لأنه متعد في الثانية، وليس هو كبيع، قاله ابن دحون، وليس قوله بصحيح إذ لم يشترها واحدة بعد أخرى فيكون متعديا في الثانية كما قال أي في الهالكة، وإنما اشتراهما صفقة واحدة، فهو ما تعدى في إحداهما بعينها دون الأخرى، لكنه لما تعدى في اشترائهما صفقة واحدة لزمت ذمته ما ناب التي لم يختر صاحب البضاعة من الثلاثين، فصار كأنه اشترى على أن صاحب البضاعة بالخيار في أن يأخذ أيتهما شاء بما ينوبها من الثلاثين ويضمن هو بقيتها في ذمته وتكون له الثانية، فيتخرج ضمان الهالكة منهما قبل أن يختار على الاختلاف في الذي يشتري ثوبا من ثوبين على أن يختار أيهما شاء فتلف أحدهما قبل أن يختار فتكون مصيبة التالف منهما جميعا على مذهب ابن القاسم، ومن المبضع معه المتعدي على مذهب سحنون. وأما إذا اشترى الجارتين بالثلاثين في صفقتين واحدة بعد أخرى فالآمر مخير في أخذ الثانية وتركها، قاله في كتاب محمد، ولا خلاف في هذا. وأما إذا أمره أن يشتري له بالثلاثين جارية بعينها فاشتراها وابنها بالثلاثين فكما قال يكون مخيرا بين أن يأخذهما جميعا وبين أن يأخذ الأم بما يصيبها من الثمن، ولو أمره أن يشتري له بالثلاثين جارية موصوفة بغير عينها فاشترى له بالثلاثين جارية على الصفة وابنها لكان مخيرا بين أن يأخذها وولدها أو يتركها وولدها ويضمنه الثلاثين، أو يأخذها دون ولدها بما ينوبها من الثلاثين، وهذا إن كان الولد كبيرا، فأما إن كان الولد صغيرا فكما قال في الرواية إن علم لها ولدا لزمته، وإن كان لم يعلم ردها بولدها، هذا إذا كانت بعينها، وأما إن لم تكن بعينها فله أن يردها بولدها علم أن لها ولدا أو لم يعلم لأن الولد عيب في الجارية، والله تعالى هو الموفق المعين بفضله، لا إله إلا هو، ولا معبود سواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد المصطفى الكريم وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
تم الجزء الأول من كتاب البضائع والوكالات بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على محمد نبيه وآله.

.كتاب البضائع والوكالات الثاني:

.يوكل رجلا على تقاضي ديونه فيقوم على رجل بذكر حق له عليه بمائة دينار:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم تسليما.
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله حمل صبيا على دابة قلت أرأيت الرجل يوكل رجلا على تقاضي ديونه فيقوم على رجل بذكر حق له عليه بمائة دينار فيقول المطلوب للوكيل قد قضيت صاحبك منها خمسين وليست له على ذلك بينة. قال: لا ينفعه ما ادعى من الدفع إلا أن يأتي بالبينة وإلا غرم ولم يؤخر إلى لقي صاحبه. فقلت: أرأيت لو لم تكن له بينة فقضي عليه بالغرم فغرم المائة كلها ثم قدم صاحب الحق فأقر أنه قد تقاضى منه خمسين والوكيل معدم، على من يرجع هذا بالخمسين على صاحب الحق أو على الوكيل؟ قال: بل على الذي له أصل الحق لأنه هو الذي فرط حين لم يعلم وكيله أنه قد تقاضى منه خمسين. قلت: فلو كان الوكيل معدما أو موسرا؟ قال: هو سواء لا يرجع عليه بشيء. قلت: وإنما يرجع على صاحب الحق؟ قال نعم.
قال محمد بن رشد: قال في الوكيل يتقاضى الدين من الغريم والموكل غائب فيدعي أنه قد دفع إليه الحق أو بعضه إنه لا ينفعه ذلك إلا أن تكون له بينة ويغرم ولا يؤخر إلى لقي صاحبه. ولم يفرق بين أن يكون الوكيل قريبا أو بعيدا. وفرق محمد بن عبد الحكم بين أن يكون الموكل قريب الغيبة أو بعيدها. وقوله عندي تفسير لهذه الرواية ولقول أصبغ في نوازله بعد هذا. وقد قيل إنه لا يقضى للوكيل بالدين حتى يكتب إلى الموكل فيحلف وإن كان بعيدا على مسألة نوازل عيسى في يمين الاستحقاق. وقد فرق بعض أهل النظر بين يمين الاستحقاق وبين يمين دعوى القضاء. وقد قيل إن الوكيل يحلف على العلم وحينئذ يقتضي.
فيتحصل في المسألة أربعة أقوال إذا بعدت غيبة الموكل. وقد مضى بيان هذا كله وتحصيله في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الأقضية أنه يستحلفه في الوجهين جميعا. وظاهر هذه الرواية وما في نوازل أصبغ بعد هذا أنه ليس على الإمام أن يستحلف الموكل على قبض ديونه الغائبة أنه ما قبض منها شيئا، ويكتب له دون يمين خرج أو وكل، خلاف ما في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الأقضية أنه يستحلفه في الوجهين جميعا خرج أو وكل ما اقتضى ولا أحال ولا قبض ثم يكتب له. وعلى ظاهر هذه الرواية جرى العمل؛ لأنه يقول للإمام لا تحلفني فلعله لا يقضى على أنه قضاني منه شيئا. وقد قيل إنه يستحلفه إذا وكل ولا يستحلفه إذا خرج، وهو أقوى الأقوال وأعد لها.
وأما قوله إذا لم يكن للمطلوب بينة على ما ادعى من دفع الخمسين إلى صاحب المال فغرم المائة كلها ثم قدم صاحب الحق فأقر بقبض الخمسين إن الغريم لا يرجع على الوكيل وإنما يرجع على صاحب الحق لأنه هو الذي فرط، فمعناه أنه لا يلزمه أن يرجع عليه ويترك الرجوع على صاحب الحق، بل له أن يرجع عليه إن أحب، فإن رجع على صاحب الحق رجع صاحب الحق على الوكيل، إلا أن يدعي أنه دفع المائة كلها إليه ويقيم على ذلك البينة، وبالله التوفيق.